أبي الفرج الأصفهاني
435
الأغاني
وأمثال لهذا كثيرة . وإنما على الإنسان أن يحفظ من الشيء أحسنه ، ويلغي [ 1 ] ما لم يستحسنه ، فليس مأخوذا به . ولكنّ أقواما أرادوا أن يرفعوا أنفسهم الوضيعة ، ويشيدوا بذكرهم الخامل ، ويعلوا أقدارهم الساقطة بالطعن على أهل الفضل والقدح فيهم ، فلا يزدادون بذلك إلَّا ضعة ، ولا يزداد الآخر إلَّا ارتفاعا . ألا ترى إلى ابن المعتزّ قد قتل أسوأ قتلة ، ودرج فلم يبق له خلف يقرّظه ولا عقب يرفع منه ، وما يزداد بأدبه وشعره وفضله وحسن أخباره وتصرّفه في كلّ فنّ من العلوم إلَّا رفعة / وعلوّا . ولا نظر إلى أضداده كلَّما ازدادوا في طعنه وتقريظ أنفسهم وأسلافهم الذين كانوا مثلهم في ثلبه والطعن عليه ، زادوها سقوطا وضعة ، وكلَّما وصفوا أشعارهم وقرّظوا آدابهم ، زادوا بها ثقلا ومقتا . فإذا وقع عليهم المحصّل الموافق ، عدلوا عن ثلبه في الآداب ، إلى التشنيع عليه بأمر الدين وهجاء آل أبي طالب ، وهم أوّل من فعل ذلك وشنّع به على آل أبي طالب عند المكتفي حتى نهاهم عنه ، فعدلوا عن عيب أنفسهم بذلك إلى عيبه ، وارتكبوا أكثر منه . وأنا أذكر ذلك بعقب أخبار عبد اللَّه ، مصرّحا به على شرح إن شاء اللَّه تعالى . علمه بصناعة الموسيقى : وكان عبد اللَّه حسن العلم بصناعة الموسيقي ، والكلام على النغم وعللها . وله في ذلك وفي غيره من الآداب كتب مشهورة ، ومراسلات جرت بينه وبين عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر وبين بني حمدون ، وغيرهم ، تدلّ على فضله وغزارة علمه وأدبه . كتاب عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر له وقد بعث إليه برسالة إلى ابن حمدون : ولقد قرأت بخطَّ عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر رقعة إليه بخطَّه ، وقد بعث إلى برسالة إلى ابن حمدون في أنه يجوّز ولا ينكر أن يغيّر الإنسان بعض نغم الغناء القديم ، ويعدل بها إلى ما يحسن في حلقه ومذهبه . وهي رسالة طويلة ، وشاوره فيها . فكتب إليه عبيد اللَّه : « قرأت - أيّدك اللَّه - الرسالة الفاضلة البارعة الموفّقة . فأنا واللَّه أقرؤها إلى آخرها ، ثم أعود إلى أوّلها مبتهجا ، وأتأمّل وأدعو مبتهلا ، وعين اللَّه التي لا تنام عليك وعلى نعمه عندك . فإنها - علم اللَّه - النعمة المعدومة المثل . ولقد تمثّلت وأنا أكرّر نظري فيها قول القائل في سيّدنا وابن سيّدنا عبد اللَّه بن العبّاس : كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع لذي إربة في القول جدّا ولا هزلا ولا واللَّه ما رأيت جدّا في هزل ، ولا هزلا في جدّ يشبه هذا الكلام في بلاغته وفصاحته وبيانه وإنارة برهانه وجزالة ألفاظه . ولقد خيّل إليّ أنّ لسان جدّك / العبّاس عليه السّلام ينقسم على أجزاء ، فلك - أعزّك اللَّه - نصفها ، والنصف الآخر مقسوم بين أبي جعفر المنصور والمأمون رحمة اللَّه عليهما . ولو أنّ هذه الرسالة جبهت الإبراهيمين إبراهيم بن المهديّ وإبراهيم الموصليّ وابنه إسحاق وهم مجتمعون لبهت منهم الناظر ، وأخرس الناطق ، ولأقرّوا لك بالفضل في السّبق ، وظهور حجّة الصّدق ، ثم كان قولك لهم فرقا بين الحقّ والباطل ، والخطأ والصواب . وو اللَّه ما تأخذ في فنّ من الفنون ، إلَّا برّزت فيه تبريز الجواد الرّائع ، المغبّر في وجه كلّ حصان تابع . عضد اللَّه الشرف ببقائك ، وأحيا الأدب / بحياتك ، وجمّل الدنيا وأهلها بطول عمرك « . هذا كلام العقلاء وذوي الفضل في مثله ، لا كلام الثقلاء وذوي الجهل . والإطالة في هذا المعنى مستغنى عنها .
--> [ 1 ] كذا في الأصول . ويحتمل أن يكون : « يلقى » بالقاف .